ابن قيم الجوزية

633

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

لصاحبها ، وهذا شيء لا يخلص من الكهانة وما ضاهأها ، لأنها لم تشر عن عين ، ولم تصدر عن علم ، ولم تسق بوجود » . يريد بهذا النوع : فراسة تجري على ألسنة الغافلين ، الذين ليست لهم يقظة أرباب القلوب . فلذلك قال : « طارئة نادرة تسقط على لسان وحشي » الذي لم يأنس بذكر اللّه . ولا اطمأن إليه قلب صاحبه ، فيسقط على لسانه مكاشفة في العمر مرة ، وذلك نادر ، ورمية من غير رام . وقوله « لحاجة مريد صادق » . يشير إلى حكمة إجرائها على لسانه ، وهي حاجة المريد الصادق إليها . فإذا سمعها على لسان غيره كان أشد تنبيها له ، وكانت عنده أعظم موقعا . وقوله « لا يوقف على مخرجها » . يعني لا يعلم الشخص الذي وصلت إليه . واتصلت به : ما سبب مخرج ذلك الكلام ؟ وإنما سمعه مقتطعا مما قبله ومما هيجه . « ولا يؤبه لصاحبها » لأنه ليس هناك . قلت : وهذا من جنس الفأل . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحب الفأل ويعجبه ، والطّيرة من هذا ، ولكن المؤمن لا يتطير ، فإن التطير شرك . ولا يصده ما سمع عن مقصده وحاجته ، بل يتوكل على اللّه ويثق به ، ويدفع شر التطير عنه بالتوكل . وفي « الصحيحين » عن ابن مسعود رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الطّيرة شرك ، وما منا إلا ، ولكن اللّه يذهبه بالتوكل » . وهذه الزيادة - وهي قوله « وما منا إلا - يعني من يعتريه - ولكن اللّه يذهبها بالتوكل » مدرجة في الحديث من قول ابن مسعود . وجاء ذلك مبينا . ومن له يقظة يرى ويسمع من ذلك عجائب ، وهي من إلقاء الملك تارة على لسان الناطق . وتارة من إلقاء الشيطان . فالإلقاء الملكي : تبشير وتحذير وإنذار . والإلقاء الشيطاني : تحزين وتخويف وشرك ، وصد عن المطالب . وصاحب الهمة والعزيمة : لا يتقيد بذلك ، ولا يصرف إليه همته ، وإذا سمع ما يسره استبشر ، وقوي رجاؤه وحسن ظنه ، وحمد اللّه ، وسأله إتمامه ، واستعان به على حصوله ، وإذا سمع ما يسوؤه استعاذ باللّه ووثق به ، وتوكل عليه ، ولجأ إليه ، والتجأ إلى التوحيد . وقال « اللهم لا طير إلا طيرك ، ولا خير إلا خيرك ، ولا إله غيرك ، اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت ، ولا حول ولا قوة إلا بك » . ومن جعل هذا نصب قلبه ، وعلق به همته : كان ضرره به أكثر من نفعه . قوله : « وهذا شيء لا يخلص من الكهانة » . يعني : أنه من جنس الكهانة . وأحوال الكهان معلومة قديما وحديثا في إخبارهم عن نوع من المغيبات بواسطة إخوانهم من الشياطين الذين يلقون إليهم السمع ، ولم يزل هؤلاء في الوجود . ويكثرون في الأزمنة والأمكنة التي يخفى فيها نور النبوة ، ولذلك كانوا أكثر ما كانوا في